محمد أحمد خلف الله

95

الفن القصصي في القرآن الكريم

إذ يرى الناظر في هذه الآيات وأمثالها أنها وصف أدبي دال يعبّر أقوى تعبير عن حال أولئك القوم الذين أثقلتهم التقاليد وطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وأولئك الذين تمكّنت منهم العقائد الباطلة حتى لينظرون إلى الوجود من خلالها وختام هذه الآيات يشرح هذه الظواهر أجمل شرح ويوضح تلك الظاهرة الاجتماعية التي تحدث مع كل دعوة وتوجد في كل زمان ومكان وهي أن نفوس الناس مختلفة واستعداداتهم متفاوتة وقدرتهم على التخلّص من القديم والاستجابة للجديد تتوقف إلى حد كبير على ما يحيط بهم من ظروف وما يلم بهم من أحداث وما يعدّه الزمن للمستقبل من رجال أحرار يحاولون النهوض بأمّتهم والأخذ بيدها والسير بها في طريق التقدّم والرقي . ومن هنا نرى القرآن في هذه الآيات يقابل بين صنفين : صنف عدم القادة فأثقلتهم التقاليد وتمكّنت من نفوسهم العقائد الموروثة وهؤلاء هم الذين خصّهم بقوله لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ « 1 » وصنف آخر استعدّت نفوسهم وتهيّأت عقولهم وقلوبهم لأمثال هذه الدعوة وهم الذين خصّهم اللّه بقوله إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ « 2 » . وهكذا نستطيع أن نمضي مع هذه الآيات وأمثالها فنرى أنها من الأمور التي يفخر بها كل مسلم ويطمئن إليها كل باحث ويحرص عليها كل من وهبه اللّه ذوقا مترفا وإحساسا مرهفا ليتبيّن أن هذه النواميس من أكبر مواطن الإعجاز . هذه أهم الفروق فيما نرى بين هذا المقام وذاك . وهنا أمر لا بد من الوقوف عنده هو أنّا لن ندرس في هذا الفصل من القيم الاجتماعية إلا ما كان عاما كالنواميس الاجتماعية والنفسية التي تثبت وتستقر ولا تتغيّر بتغيّر الظروف والأحوال . أما تلك الحالات الخاصة التي كان يصوّرها القرآن في حديثه عن الأقوام كصورته لقوم عاد وصورته لأهل مدين أو قوم شعيب من أنهم ينحتون من الجبال بيوتا أو يطففون المكيال والميزان فأمور لن نعرض لها هنا لأنها بباب القيم الخلقية أليق ولأنها من قبيل الأجواء التي يحرص عليها القصاص .

--> ( 1 ) سورة يس ، الآية 6 . ( 2 ) نفس السورة ، الآية 11 .